Lebanon Report – March
April 3, 2019
Geopolitical Dimensions of Taliban’s Office in Doha
April 15, 2019

يريفان الواقعية: خطوة نحو حل الصراع الأرمني – الأذربيجاني

يعود تاريخ الصراع بين أرمينيا وجارتها أذربيجان إلى عصور سحيقة تخللتها الكثير من الكراهية المتبادلة والدماء. وحتى قبل قيام الدول بمفهومها الحديث، شهد الشعبين على الكثير من الحروب والمناكفات، إلى أن استقر الأمر على ما رست عليه الأمور عام 1994، بعدما توصل الطرفين إلى وقف لإطلاق النار بينهما. كسب الأرمن أرضاً جديدة هي منطقة إقليم “ناغورنو كاراباخ”، فيما حازت أذربيجان على بعض الدعم الدولي كما على دعم تركي غير محدود.

منذ ذلك التاريخ، رفضت أرمينيا التفاوض بشأن مصير الإقليم أو التخلي عنه على الرغم من أنها لم تحصد على أي اعتراف دولي معتبر بسيادته. بينما كانت أذربيجان مهتمة، طوال الوقت، بفتح موضوع التفاوض على الإقليم وتدويل الأزمة. لكن سرعان ما تغيير الأمر خلال الأشهر الأخيرة الماضية، مع تراجع قوة أرمينيا ووهج حليفتها إيران، وأمام كثرة العتاد العسكري الذي تعطيه تركيا لـ”أختها الصغيرة” أذربيجان، فبات لقاء مسوؤلي الدولتين وارداً وإمكانية التفاوض على حل سلمي للصراع بينهما متاح.

قرن من الصراع والهدنات

يعود أول صراع كبير وهام بين الأرمن والأذربيجانيين إلى بداية القرن العشرين، وتحديداً إلى العام 1917 يوم أعلنت روسيا الإنسحاب من الحرب العالمية الأولى وتوقيع هدنة مع عدوتها السلطنة العثمانية. شكل إدارة موسكو ظهرها للحرب وتراجع الجيوش العثمانية على كل الجبهات فرصة سانحة للأرمن والأذربيجانيين لخوض حروبهم التوسعية الخاصة. إندلعت الإشتباكات بين الطرفين حتى نهاية العام 1920، وشهدت تقدماً أرمنياً سيطر على إقليم “كاراباخ”، إلى أن تدخل الروس بشكل مباشر لوقف الحرب[1].

اجتاحت روسيا الشيوعية كل من أرمينيا وأذربيجان والأقاليم المتنازع عليها دفعة واحدة، وقررت، عام 1923، إعطاء إقليم “ناغورنو كاراباخ” ذي الأكثرية الديمغرافية الأرمنية حكماً ذاتياً لكن ضمن جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفيتية[2]. هدأ الصراع لفترة وبات الجميع جمهوريات في الإتحاد السوفيتي، دون أن تمنع الإيديولوجية الشيوعية القاهرة أو جيوشها الحمراء من استمرار الخلافات ذات الطابع القومي بين الجارتين.

في الأعوام 1945، 1965 و 1977 تظاهر الأرمن خلال أزمات محلية متتالية على خسارتهم للإقليم[3]، إلا أن القوة السوفيتية منعت تضخم الأزمات إلى حدود الحرب بين الجمهوريتين اللدودتين. مع تراجع قبضة موسكو، اندلع عام 1988 صراعاً مسلحاً بين الدولتين بعدما صوّت إقليم “ناكورنو كاراباخ” ذات الحكم الذاتي على قرار بالإنضمام إلى الجمهورية الأرمنية[4].

ردت أذربيجان على قرار الإقليم عبر استخدام الحديد والنار، فاشتبكت مع الأرمن في أكثر من مكان ما دفع أرمينيا، في المقابل، إلى استخدام القوة العسكرية. استمر النزاع المسلح إلى العام 1994، وانتهى بتقدم الأرمن على أعداءهم وسيطرتهم على الإقليم وبعض الأراضي الإضافية التي ضموها إلى السيادة الأرمنية.

خلال الحرب أنشأت كل من روسيا، فرنسا والولايات المتحدة الأميركية “مجموعة مينسك” التابعة لـ”منظمة الأمن والتعاون في أوروبا” للتوصل لحل للصراع بين الجارتين. لم تفلح هذه المجموعة في التوصل إلى أكثر من وقف لإطلاق النار بين الأطراف المتحاربة، دون أن تنجح بحل الصراع بشكل دائم. أعلنت “مجموعة مينسك” التوصل عام 2007 إلى ما عُرف بـ”مبادئ قمة مدريد” التي أقرت خريطة طريق لحل الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان و “ناغورنو كاراباخ”، والتي سعت إلى فض الإشتباك وتحكيم القانون الدولي في القضية وإرسال قوات حفظ سلام إلى المنطقة، كما رد بعض الأراضي التي تسيطر عليها أرمينيا إلى أذربيجان[5].

كمن الشيطان في التفاصيل، ولم يستطع أي من الأطراف تحديد آلية لتطبيق “مبادئ قمة مدريد”. ثم اندلعت الحرب مجدداً عام 2008، لتعود وتخمد حتى العام 2016، فتندلع الاشتباكات من جديد في دوامة من العنف والسلام المتقطع.

 

الدور التركي الملتبس: الحل بالقانون والقوة للسلاح

على هذا المنوال، تعيش الجارتين بحالة حرب شبه دائمة وسلام مبتور التطبيق. ترى أذربيجان أن أرمينيا قد استولت على أراضٍ تابعة لسيادتها، فيما ترى هذه الأخيرة أن أذربيجان تريد السيطرة على إقليم “ناغورنو كاراباخ” ذي الأكثرية الديمغرافية الأرمنية.

يستمر الصراع وسط تدخل دائم من الدول الأوروبية وإيران وروسيا وتركيا. تدعم الأولى حلاً سلمياً للأزمة يؤمن استقرار المنطقة طمعاً باستمرار تدفق النفط القوقازي إليها. فيما تدعم الثانية أرمينيا في مواجهتها الإقليمية مع تركيا. أما روسيا فتمد شبكة علاقاتها مع الطرفين في محاولة للاستفادة من الصراع قدر الإمكان، وإفهام الجميع أن السلم والأمن والاستقرار في ملعب روسيا القوقازي لا يتم التوصل إليه إلا في موسكو[6].

لا تزال ثلاثة مواضيع أساسية تعكر صفو العلاقات التركية الأرمنية. تعود الأولى إلى أحداث العام 1915 والويلات التي حلت بالأرمن من قبل السلطنة العثمانية. يرى الأرمن أن أحداث ذاك العام هي بمثابة إبادة عرقية تستحق الاعتراف والاعتذار والتعويض المالي ورد مساحة شاسعة من الأراضي، بينما تراها تركيا مجرد أحداث دموية دفع ثمنها الجميع. وعلى الرغم من تقدم الرواية الأرمنية لأحداث التاريخ على المستوى العالمي في السنوات القليلة الماضية، إلا أن أنقرة تبقى صلبة الموقف وترفض التسليم بالرواية المضادة التي تحمِّلها وزر أحداث الماضي[7].

أما الثانية، فتعود إلى نشاط الأرمن في الانتشار الذي يسعون لتشويه صورة تركيا في العالم. في الولايات المتحدة الأميركية، وفي لبنان وإيران وسوريا ومصر وفرنسا وغيرها جاليات أرمنية نشيطة وأكثر تشدداً، بالقارنة مع الدولة الأرمنية، تجاه تركيا، وتؤثر على منع التوصل إلى تطبيع للعلاقات بين يريفان وأنقرة.

على عكس السياسة التركية التقليدية، انتهج حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، منذ العام 2005، سياسة انفتاحية تجاه أرمينيا، حيث شارك في مفاوضات طويلة ومباشرة معها في سويسرا عام 2007 أدت إلى توقيع “اتفاق زوريخ” عام 2009. وقد نص الإتفاق على فتح الحدود وتطبيع العلاقات الديبلوماسية بين أرمينيا وتركيا، إلا أن هذه الأخيرة عادت واشترطت لتصديق الاتفاق في برلمانها بشروع أرمينيا بمفاوضات مع أذربيجان حول مصير إقليم “ناغورنو كاراباخ”، ما دفع أرمينيا بدورها إلى تعليق التصديق على الاتفاق عام 2010[8].

يُشكل موضوع الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان سبباً ثالثاً للعدواة التركية الأرمنية. ترى أنقرة أن الحل لا يمكن أن يكون إلا بتفاوض مباشر بين الطرفين بالاعتماد على تحكيم القانون الدولي ووفقاً لمبدأ وحدة الأراضي الأذربيجانية[9].

في المقابل تقدم أنقرة دعماً كثيفاً لباكو، فتزود أذربيجان بكافة أنواع الأسلحة والعتاد والدعم العسكري والمعنوي والسياسي[10]. تؤيد تركيا حلاً سلمياً وقانونياً للأزمة، لكنها، في نفس الوقت، تبتعد عن مثالية هذا الطرح وتمارس سياسة واقعية عبر دعم حليفتها بكافة أشكال السلاح، لمعرفتها المسبقة أن صيغة الحلول النهائية لا تكون إلا تبعاً لميزان القوة على الأرض.

تغيير في موقف أرمينيا: تحكيم الدبلوماسية بدل الحرب

واجهت أرمينيا في السنوات القليلة الماضية عدداً من المشاكل أجبرتها على القبول بالتفاوض مع جارتها اللدود. إن تراجع دور حليفتها إيران أثر على موقفها الخارجي، فيما ساهم الدعم التركي لأذربيجان في بروز موقف أرمني أكثر عقلانية يأخذ من الميزان العسكري معياراً لتحديد الموقف السياسي. فكان القبول الأرمني بلقاء المسؤولين الأذربيجانيين والشروع في البحث عن تسوية منصفة للطرفين[11].

انتهى عناد أرمينيا برفض بحث مسألة “ناغورنو كاراباخ”، وباتت، نتيجة التفوق الإقليمي والعسكري الأذربيجاني، أكثر ميلاً لاستخدام الدبلوماسية بدلاً للحرب. بدأ التواصل الرفيع المستوى بين الطرفين في قمة “دافوس الاقتصادية” نهاية شهر كانون الثاني[12]، ثم تلى الأمر عرض “مجموعة مينسك” لقاءً بين الطرفين نهاية شهر شباط الماضي، فكان الجواب الأرمني مفاجئاً في إيجابيته، فتم اللقاء بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الحكومة الأرمنية نيكول باشينيان نهاية شهر آذار[13].

للقيادات الأرمنية والأذاربيجانية ميلاً كبيراً لعدم الافصاح عن نتائج المفاضات بينهما، خاصة أن لكل من الطرفين حساسيات داخلية يهمهما التعامل معها بهدوء بعيداً عن صخب الإعلام وضجيج الرافضين لأي لقاء قد ينتج عنه تنازل من هنا أو هناك. إلا أن الثابت في اللقاءات هو استمرارها لفتح كوة في الجمود الحاصل بين الجارتين، خاصة وأن القيادة الأرمنية تعي عمق التعاون العسكري التركي الأذربيجاني، وتفوُّق تركيا في أهميتها الاستراتيجية عند روسيا بالمقارنة مع أرمينيا، بالإضافة إلى خمول طهران في تقديم دعم ثابت ومتزايد ليريفان.

إن أخذ يريفان الميزان العسكري في الحسبان يشي بجدية القيادة الأرمنية في تمرير الوقت بأقل الأضرار الممكنة ريثما تتبدل الظروف الإقليمية. غير أن تراجع الاقتصاد الإيراني وثبات العلاقة التركية – الأذربيجانية قد لا تنبئ بأخبار مفرحة للأرمن في الأشهر القليلة القادمة.

[1] Isgenderli, A. (2011), Realities of Azerbaijan: 1917-1920, United States of America: Library of Congress, p. 85.

[2] Swietochowski, T. (2011), Russian Azerbaijan, 1905-1920: The Shaping of a National Identity in a Muslim Community, United Kingdom: Cambridge University Press, p. 7.

[3] De Waal, T. (2003), Black Garden: Armenia and Azerbaijan through Peace and War, United States of America: New York University Press, pp.16-17.

[4] Hille, M. (2010), State Building and Conflict Resolution in the Caucasus, The Netherland: Brill, p. 257.

[5] Caucasus Edition (2011), A New Look at Old Principles: Making the Madrid Document Work, retrieved from: http://caucasusedition.net/why-nagorno-karabakhs-status-must-be-addressed-first/

[6] Larson, J. (2016), Russia’s Double Dealing in Armenia and Azerbaijan, International Policy Digest, retrieved from: https://intpolicydigest.org/2016/12/07/russia-s-double-dealing-armenia-azerbaijan/

[7] حمورة ج. (2015)، التربية على النكران: “الإبادة الأرمنية” في الأدبيات التركية، المفكرة القانونية، مأخوذة من http://legal-agenda.com/article.php?id=1076

[8] المرجع نفسه.

[9] Aliyev, J. (2019), Azerbaijani, Armenian leaders to meet in Vienna, Anadolu Agency, retrieved from: https://www.aa.com.tr/en/politics/azerbaijani-armenian-leaders-to-meet-in-vienna/1431383

[10] Hurriyet Daily News (2018), Azerbaijan displays Turkish cruise missile in military parade in ‘historic first’, retrieved from: http://www.hurriyetdailynews.com/azerbaijan-displays-turkish-cruise-missile-in-military-parade-in-historic-first-133811

[11] Giurleo, N. (2019), Leaders of Armenia and Azerbaijan meet in Vienna over Nagorno-Karabakh, Foreign Brief, retrieved from: https://foreignbrief.com/daily-news/leaders-of-armenia-and-azerbaijan-meet-in-vienna-over-nagorno-karabakh/

[12] Daily Sabah (2019), Azerbaijan’s Aliyev, Armenia’s Pashinian discuss Karabakh issue at Davos, retrieved from: https://www.dailysabah.com/europe/2019/01/23/azerbaijans-aliyev-armenias-pashinian-discuss-karabakh-issue-at-davos

[13] Asbarez (2019), Armenian, Azerbaijani Leaders Accept Co-Chairs’ Proposal to Meet ‘Soon’, retrieved from: http://asbarez.com/178038/armenian-azerbaijani-leaders-accept-co-chairs-proposal-to-meet-soon/

Joe Hammoura
Joe Hammoura
Joe Hammoura is a specialist in Middle Eastern and Turkish affairs and is currently pursuing his Ph.D. in International Relations at Kocaeli University in Turkey. He holds a Masters in International Relations with Honors from the Holy Spirit University of Kaslik – Lebanon (2015), and a BA in Political and Administrative Sciences from the Lebanese University (2008). His work focuses on the internal Turkish policies, foreign affairs and its direct and indirect implications on the Middle East. He is a fellow researcher in Turkish Affairs in the Middle East Institute for Research and Strategic Studies (MEIRSS) based in Lebanon. Additionally he writes in different magazines, newspapers and websites about Middle Eastern affairs.