The Qatar 2022 World Cup – Labor Rights Abuses of Migrant Workers
August 2, 2018
Oman’s Imminent Succession Crisis: A Look into its Role in the Region
August 15, 2018

الليرة التركية.. أو آخر أخصام أردوغان

على الرغم من الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشه تركيا خلال هذه الفترة، يشهد الاقتصاد التركي بوادر أزمة اقتصادية كبيرة قادمة. تتلخص هذه الأزمة بالتراجع الحاد لليرة التركية أمام الدولار، وما ينتج عن هذا الأمر من أزمة اقتصادية تطال السوق التركي ككل. غلب رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان كل أخصامه. البعض منهم استقر في المعارضة، والآخرون في المنفى أو السجون، أو التزموا السكينة. حصّن الرجل الأقوى رئاسته بصلاحيات دستورية قوية، وبحزب حاكم يُحكم السيطرة على مفاصله، ولم يبقَ له من أخصام إلا الليرة التركية غير المستقرة.

ضعف الليرة وأزمة الاقتصاد البنيوية

يعاني الاقتصاد التركي من أزمة بنيوية غير مرتبطة حصراً بالتطورات السياسية وما ينتج عنها من تأثيرات على قيمة العملة وحال السوق. نظرة سريعة إلى قيمة العملة التركية تفيد بتراجعها الدائم أمام الدولار. في شهر آب من العام 2006 مثلاً، أي بعد أربع سنوات من وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم، بلغت قيمة الليرة التركية 1.4 مقابل الدولار الواحد. ثم راحت تهوي، فوصلت في الشهر نفسه من العام 2008 إلى 1.8، و إلى 2.1 في العام 2014. بعد ذلك العام بدأت الليرة تراجعها الحاد، فبلغت 3 عام 2015، 3.5 عام 2017، و4 بداية العام 2018، لتعود وتصل إلى أدنى مستوى لها بداية شهر آب من العام نفسه، وتبلغ الخمسة ليرات مقابل الدولار الواحد.

لا يرتبط هذا التراجع بأزمة سياسية أو أمنية ما، أو بعقوبات اقتصادية من هنا أو هناك فقط، إنما بأزمة بنيوية في الاقتصاد التركي. يقف الحكم في أنقرة، ومنذ سنوات، ضد استقلالية قرارات البنك المركزي، كما يسعى لتخفيض الفوائد على القروض. الأمر الأول يريده الحكم ليزيد من سيطرته على الاقتصاد العام بعدما سيطر على المجال السياسي في البلاد. إلا أن هذا السعي ينتج عنه تراجع في ثقة المستثمرين الأجانب لخوفهم من تضارب السياسات والمصالح بين الحكم من ناحية والبنك المركزي من ناحية أخرى، ما يؤدي بالمستثمرين إلى سحب بعض أموالهم من السوق التركية، والذي يؤدي، بدوره، إلى ارتفاع معدل البطالة. إن خطابات أردوغان المنتقدة للمصرف المركزي وسياساته، وقول أمور مثل “إن معدلات الفائدة هي أم وأب كل الشرور”[1]، لا شك أنها تؤثر على القيمة المالية للعملة التركية، وتزيدها اضطراباً، وتدفع المستثمرين الكبار إلى مغادرة البلاد.

أما سعي الحكم لتخفيض الفوائد على القروض، فيريده لتعزيز الاستثمارات. غير أن النسب العالية للفوائد المعمول بها حالياً ينتج عنها تباطؤ في حركة السوق وتوقف للأعمال لصعوبة اقتراض الأموال من المصارف المحلية. يحافظ المصرف المركزي على الفوائد مرتفعة لتدوم أرباحه وأرباح القطاع المصرفي، فيما يريد الحكم تخفيضها ليعيد بث الحيوية في عجلة الاقتصاد. تحوّل هذا الاختلاف إلى مصيبة على المواطن التركي الفقير والمتوسط الحال، بحيث أفلست بعض الشركات كما زاد التضخم عندما تراجعت قيمة الليرة، وتجاوز الـ 15 بالمئة في حزيران عام 2108 بالمقارنة مع نفس الشهر من العام السابق[2].

إن قلة الثقة في السياسات المالية الرسمية التركية كما ارتفاع نسب التضخم دفع الكثير من المستثمرين والأغنياء إلى تحويل أموالهم التركية إلى الدولار أو اليورو. أدى هذا الأمر، بطبيعة الحال، إلى انخفاض قيمة العملة التركية أمام العملات الصعبة، ووضع تركيا على باب قوسين من أزمة مالية واقتصادية حادة.

مكامن الضعف الأخرى في الاقتصاد التركي

قد تغر صورة تركيا الرائجة منذ بضعة سنوات، والتي تفيد بقدرتها الاقتصادية المتصاعدة وحيوية سوقها. لا شك أن القطاعات السياحية والصناعية والعقارية بلغت تطوراً ملفتاً، كما قام الحكم بتحسين ظروف البنية التحتية للبلاد، غير أن أنقرة تعاني من مكامن ضعف في اقتصادها جعل من “المعجزة الاقتصادية التركية” غير مكتملة العناصر.

واحد من مكامن ضعف الاقتصاد هو عدم التوازن في ميزان تركيا التجاري. لا تزال أنقرة تستورد أكثر بكثير مما تصدّر من منتجات ومواد مختلفة. بلغت نسبة العجز في الميزان التجاري عام 2017 مثلاً حوالى 77 مليار دولار، وقد زاد الاستيراد بنسبة 18 في المئة بالمقارنة مع العام الذي سبق[3].  

إن أكثر ما تستورده تركيا من الخارج هو المشتقات البترولية، وذلك لعدم وجود انتاج محلي لهذه المواد الأولية والأساسية، كما بسبب حاجة أنقرة الملحة والمتزايدة لهذه المواد لإبقاء الصناعة المحلية على قيد الحياة. غير أن هذا الأمر يجعلها دوماً تحت رحمة الأسعار العالمية، فإن ارتفع سعر برميل النفط خسرت أنقرة مليارات الدولارات، وإن انخفض سعر الغاز تنفست أنقرة الصعداء.

تحتل روسيا وإيران المراكز الأولى كأكثر موردي المشتقات النفطية لتركيا، الأمر الذي يجعل هذه الأخيرة في موقع ضعف عند التنافس مع هذه الدول على النفوذ الإقليمي. كما تسعى إلى حل هذه المعضلة عبر طريقتان تكلفان الكثير من الأموال على المدى القريب، وهما بناء محطات على الطاقة النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية[4]، كما الاعتماد على خطوط أنابيب النفط ومشاريع أخرى بالتعاون مع دول آسيا الوسطى. وحتى تحقيق تنويع حقيقي في مصادر الطاقة التركية، تدفع أنقرة فاتورة بناء المفاعل النووية من ميزانيتها وتشارك مع آخرين في بناء أنابيب وخطوط نقل النفظ والغاز، ما ينتج عنه كثرة في المصاريف كما كثرة في الاعتماد على روسيا وإيران في الوقت الحاضر.

من ناحية أخرى تشتبك أنقرة مع موسكو حيناً ومع الرياض وبغداد والقاهرة أحياناً أخرى. يؤدي هذا الأمر غالباً إلى قطع طرق التجارة ووضع المعوقات على هذه المنتجات وتلك أو على تلك الشركات أو تلك. تنتج العلاقات المتوترة مع دول الخليج وروسيا اضطراباً في التصدير التركي، وخوف المستثمرين من تقلبات السياسة وتأثيراتها على السوق. كل هذه الأمور لا تساعد أنقرة على تخطي بعض المشاكل الاقتصادية التي تواجهها هنا وهناك، إلا أنها لا تبدو قليلة الأهمية إن قورنت بالأزمة مع أميركا في الوقت الراهن.

بوادر أزمة اقتصادية أميركية – تركية

تبدو العلاقات الأميركية – التركية في أسوأ حالاتها. شهر العسل بين الدولتين انتهى مع تشعب الحرب السورية واتهام أنقرة لوشنطن بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016. تريد تركيا من أميركا تسليم المتهم بتخطيط وتنفيذ المحاولة الانقلابية “فتح الله غولن” الذي يسكن في أميركا، فيما لا يبدي “العم سام” أي تفهم لمطلب حليفه.

في المقابل اعتقلت السلطات التركية القس الأميركي “أندرو برونسن” واتهمته بالتورط مع جماعات إرهابية وبنشاطات سياسية معادية لحكومة أنقرة. تسعى هذه الأخيرة إلى فرض نوع من ميزان قوى لعلّ الإدارة الأميركية تقبل بحل سياسي يؤدي إلى تسليمها غولن وحصول واشنطن في المقابل على برونسن. إلا أن لإدارة دونالد ترامب رأياً آخراً، وهو يعتبر أن مواطنها ليس إلا “ضحية لاعتقال غير محق وغير عادل”[5].

لم تتوقف إدارة ترامب عند البيانات وحسب، إنما فرضت عقوبات اقتصادية بحق كل من وزير الداخلية والعدل التركيان في الأول من آب عام 2018. الأمر الذي أدى بحد ذاته، وبعد ساعات قليلة، إلى اهتزاز السوق التركي، وتراجع العملة مقابل الدولار ورسوها على 5 ليرات بعدما خسرت حوالى 3 بالمئة من قيمتها[6]. كذلك الأمر، لم تكتفِ واشنطن بفرض هذه الاجراءات المحدودة، بل أعلنت بشكل متكرر عن إعدادها للائحة طويلة من الأشخاص والشركات التركية التي يمكن أن تتعرض للعقوبات[7]. ما ينذر بتدهور العلاقات التركية – الأميركية إلى دركها الأسفل منذ سنوات.

من ناحية أخرى، لا يبدو موضوع غولن وبرونسن يستحق كل هذه الاجراءات والتهديدات المتبادلة، إنما لأميركا عتب على تركيا لعدم الوقوف جنبها في مواجهتها المستجدة مع إيران. كما أن لتركيا عتب موازٍ على تركها وحيدة شمال سوريا بعدما بات النظام السوري على وشك الانتهاء من الحرب والفوز فيها مع حليفه الروسي. إن الخلافات السياسية بين الحليفان القديمان قد تشعبت وباتت تطال مجمل القضايا التي تبدأ بدور أنقرة في سوريا وعلاقتها مع إيران، ولا تنتهي بقضايا مرتبطة بأشخاص. سوء العلاقة هذا لن يكون من مصلحة أنقرة في نهاية المطاف، لأن الإدارة الأميركية الحالية لم تتوانَ عن فرض المزيد من العقوبات على روسيا سابقاً أو فرط عقد الاتفاق النووي مع إيران، فكيف بالحري عند التعامل مع دولة أقل قوة منها كلها.

لا يبدو الاقتصاد التركي في حالة جيدة على جميع الأحوال، ولا هو قادر على تحمل المزيد من الضربات الموجعة، وخاصة إن أتت من الإدارة الأميركية. يمكن  لهذه الأخيرة إن عقدت عزمها على تلقين حليفتها الصغيرة درساً أن تنجزه بشكل سريع، طالما الباب مشرع أمام الجميع، والعبث بالليرة التركية المريضة أمر سهل جداً.

[1] Kucukgocmen A., Taner S. (2018), Turkey’s Erdogan calls interest rates “mother of all evil”; lira slides, Reuters, retrieved from: https://www.reuters.com/article/us-turkey-currency/turkeys-erdogan-calls-interest-rates-mother-of-all-evil-lira-slides-idUSKBN1IC1NV
[2] Daily Sabah (2018), Turkey’s inflation rate hits 15.39 percent in June, retrieved from: https://www.dailysabah.com/economy/2018/07/03/turkeys-inflation-rate-hits-1539-percent-in-june
[3] Hurriyet Daily News (2018), Turkey’s trade deficit widens 38 percent to $77 billion in 2017: Ministry, retrieved from: http://www.hurriyetdailynews.com/turkeys-trade-deficit-widens-38-percent-to-77-billion-in-2017-ministry-125101
[4] Hurriyet Daily News (2018), Turkey to build third nuclear power plant: Erdoğan, retrieved from: http://www.hurriyetdailynews.com/turkey-to-build-third-nuclear-power-plant-erdogan-133468
[5] BBC News (2018), Andrew Brunson: US hits Turkey with sanctions over jailed pastor, retrieved from: https://www.bbc.com/news/world-us-canada-45036378
[6] Courcoulas C. (2018), Lira Falls to Record Low as U.S. Sanctions Two Turkish Officials, Bloomberg, retrieved from: https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-08-01/lira-falls-to-record-as-prospect-of-u-s-sanctions-draws-closer
[7] Harvey B. (2018), U.S. Prepares List of Sanctions Targets in Turkey, Bloomberg, retrieved from: https://www.bloomberg.com/news/articles/2018-08-01/u-s-said-to-prepare-list-of-turkey-economic-sanctions-targets

Joe Hammoura
Joe Hammoura
Joe Hammoura is a specialist in Middle Eastern and Turkish affairs and is currently pursuing his Ph.D. in International Relations at Kocaeli University in Turkey. He holds a Masters in International Relations with Honors from the Holy Spirit University of Kaslik – Lebanon (2015), and a BA in Political and Administrative Sciences from the Lebanese University (2008). His work focuses on the internal Turkish policies, foreign affairs and its direct and indirect implications on the Middle East. He is a fellow researcher in Turkish Affairs in the Middle East Institute for Research and Strategic Studies (MEIRSS) based in Lebanon. Additionally he writes in different magazines, newspapers and websites about Middle Eastern affairs.