KSA 2019 Perspectives
December 28, 2018

إسلام “مخيمات التلقين”.. لماذا تخلت تركيا عن “إيغور” الصين؟

من جبال الأمازيغ في المغرب إلى آخر جزر الفليبين، لا يخلو بلد في الشرق من أقلية تناضل لتحصيل الحقوق. ليست كل الأقليات مسالمة وبريئة، إنما بعضها مزعج ومريب أكان في الواقع، أم في عيون الحكّام على الأقل. بعضها يعيش حالة من السكينة والإنكسار، فيما ينتظر غيرها اللحظة المناسبة للفعل ورد الإعتبار. بين أخبار أقليات هذه الدولة وتلك، يتزايد، هذه الأيام، ظهور أقلية “الإيغور” المسلمة غرب الصين في الإعلام الدولي، وتُبث عشرات من التقارير التي تخبر عن إجراءات أخذتها بحقهم مؤخراً حكومة البلاد.

حافظ “الإيغور” على هويتهم المتمايزة وآمالهم الدائمة بحكم ذاتي. لكن هذا الأخير كان قد تلاشى بحكم سطوة بكين وإيديولوجيتها الصارمة. فمنذ العام 1949، تاريخ دخول جيش الصين الشيوعي إلى إقليم “سنجان” حيث تقطن أغلبية “الإيغور” غرب البلاد، تراجع إستقلال هذه الأقلية في الكثير من الميادين، وخاصة السياسية منها. بات الكثيرون منفيون في البلاد المجاورة، من ماليزيا إلى تركيا، مروراً بباكستان وحتى ألمانيا.

غياب أي نجاح سياسي لهذه الأقلية لم يعنِ غياب تمايزها. بل باتت، بعد الفورة الدينية التي اجتاحت وسط آسيا في العقدين الماضيين، أكثر تمايزاً، وتسعى إلى إجبار الدولة على الاعتراف بهذا التمايز. لعب الإسلام، كدين وهوية ثقافية، دوراً أساسياً في تعزيز تمايز هذه الأقلية عن أكثرية الصينيين المنتمين إلى عرق “الهان”. في حين سعت هذه الأخيرة الممثلة بالحكومة الصينية ذات التوجه الإشتراكي والميول الإلحادية، إلى دمج الأقلية المتمايزة وتذويب إيمانها، ولو إضطر الأمر إلى إعادة تدريسها دينها وهويتها الخاص وأقلمتها مع إيديولودجية الدولة.

الأقلية الإيغورية ومشروع إستقلالي فاشل

منذ نجاح الثورة الشيوعية عام 1949، أعدت الحكومة الصينية خطة رسمية لتحديد مَن مِن الجماعات الكثيرة تستحق لقب أقلية. حالف الحظ “الإيغور”، فباتوا واحدة من 55 أقلية اعترفت بها بكين، على الرغم من وجود مئات الأقليات الأخرى التي لم ترقَ، بحسب بكين، إلى تبوء تلك المرتبة[1].

إن الأقلية “الإيغورية” هي تركية العرق، وذات هوية دينية إسلامية سنيّة، وتشكل حالياً مجتمعاً محافظاً تتمتع فيه الطرق الصوفية والعادات القبلية بحضور قوي. تعود جذورها إلى عصور ساحقة، حيث تفرعت مع أقرباءها الأتراك والتتر والمغول من جذع واحد. تمارس هذه الأقلية التي ترقى إلى حدود الـ15 مليون نسمة على أقل تقدير عادات ثقافية واجتماعية تركية. فيما لغتها الخاصة قادمة من لغة أخوتها، وتتشابه تركيبتها مع لغة تركيا الحالية، وإن بحروف متمايزة وبعض القواعد والمفردات الخاصة.

حاول “الإيغور” إقامة “جمهورية تركستان الشرقية الاسلامية” منذ العام 1933، إلا أن صعود أصحاب المناجل والمطارق الشيوعيين قضى على ذلك الحلم المفترض. إنتهى عمر تلك الجمهورية وباتت من الماضي عندما تحالفت بكين مع موسكو، فضمت الصين بالقوة إليها إقليم “سنجان” حيث يسكن معظم “الإيغور”[2].

حتى العام 1980، شكلت هذه الأقلية أكثرية ديمغرافية في ذلك الإقليم. إلا أن حكومة بكين راحت تهندس هجرات جماعية لأبناء “الهان” إلى “سنجان”. فخسر “الإيغور”، بالتالي، اليد الطولى في ذلك الإقليم[3]. تحولوا إلى أقلية في أكثر مكان مكتظ بهم، فيما راح غيرهم يهاجرون البلاد رداً على بطش السلطة وقمعها.

أنشأوا الجمعيات والروابط لتعزيز تضامنهم في الخارج، وعملوا من خلالها، وخاصة في تلك المنشأة في تركيا، على التأثير بأبناء جلدتهم ممن بقوا في الداخل. لم يُكتب لهذه الحركة الخارجية الكثير من النجاح، إلا أنها أبقت أفكار الإستقلال الذاتي والحقوق المشروعة رائجة بين مبادئ “الإيغور” وطموحاتهم.

  ثلاثة مداميك لأساليب الضغط الصينية

تعامل الصين أقلياتها تبعاً للمعادلة التالية: يمكن لأي جماعة الإيمان بما تريده، شرط الولاء الكامل للدول. إما من لا يقدم فروض الطاعة للدولة، فله القمع والضغط الدائم حتى الإستسلام. يمكن فهم هذه المعادلة بشكل حقيقي، عند مقارنة كيفية تعامل الدولة مع كل من “الإيغور” وأقلية “الهوي” المسلمة كذلك.

لا تكن بكين عدائية حقيقية للإسلام، كما لا تأخذ، في أيديولوجيتها، أي من الأديان على محمل الجد. بناءً لمعادلتها، “أعطت الحكومة مسلمي “الهوي” الكثير من الحرية الدينية بسبب عدم تحدي أي منهم للسلطات العلمانية. حتى إن زعيمهم الديني التابع لإحدى الطرق الصوفية […] قد سُمح له بإنشاء “دولة دينية افتراضية” بمليون ونصف مليون تابع، وشبكة واسعة من المساجد والمدارس الدينية […] لقد كان ثمن هذه الحرية ولاءه المطلق للدولة الصينية”[4].

يختلف التسامح الديني الصيني بشكل جذري عندما يتعلق الأمر بأقلية “الإيغور”، فلا حرية دينية لهم ولا حقوق إجتماعية واقتصادية. تعتقد بكين أن طموحات “الإيغور” بالإستقلال وإنشاء جمهورية خاصة بهم تشكّل خطراً على وحدة البلاد، فتصف كل تصرفاتهم بأعمال مضرّة بالدولة، وأفعالهم بالجرائم الإرهابية[5].

بناءً لهذا التعريف، تقود بكين سياسة مثلثة المداميك عندما يتعلق الأمر بتعاملها مع “الإيغور”. في الأولى، تضغط عليهم ديمغرافياً واجتماعياً ودينياً. فتنقل المزيد من “الهان” إلى مكان تواجدهم، وتمنعهم من الصيام خلال شهر رمضان، أو دخول من هم دون الثامنة عشرة من العمر إلى المساجد، كما تسلب حقهم في السفر، وتصادر جوازات العائدين منهم من الخارج. بالإضافة إلى وصف كل تصرفاتهم بأعمال إرهابية ولصقهم بتهم الإرهاب والرجعية، وتبرير أفعال الدولة الصينية تجاههم بضرورات أمنية متعلقة بمحاربة الإرهاب.

في الثانية، تقود الصين حملة لتشويه دينهم وجعله متوافقاً مع إيديولوجية الدولة. تدير الحكومة سلسلة ضخمة من مخيمات تلقين مخصصة لأقلية “الإيغور”. مرّ في تلك المخيمات، أو معسكرات الاعتقال كما تصفها المنظمات الدولية[6]، حوالى مليون شخص حتى بداية العام 2019، حيث يقوم المسؤولون الحكوميون بتلقين “الإيغور” نسخة خاصة وهجينة من الإسلام[7]. لا تذكر أي من التقارير الدولية مضمون هذه التعاليم التي تبقى دراسة تأثيراتها في المستقبل مهمة لمعرفة وقعها على مجتمع “الإيغور”. غير أن الأكيد هو أن الصين ترسي بين أبناء هذه الأقلية أفكارها القائمة على تقديس الأرض والوطن والسلطة الشرعية قبل الدين، وقيادة أسلوب حياة إشتراكية تقوم على نشاط الفرد حتى الفناء من أجل المجموعة، بالإضافة طبعاً إلى تلقينهم تقديم مراسم الطاعة والولاء للحكومة.

أما في الثالثة، فتروّج بكين، بذكاء وحذاقة، صورتها كدولة متعددة الثقافات والأعراق من خلال تنظيم مجموعة واسعة من الأنشطة الثقافية مع الأقليات العرقية. كما تقوم بإظهار أبناء أقلية “الإيغور”، في المدن ومخيمات التلقين، وعلى الشاشات والصحف، بأزياءهم الصينية الملوّنة كسعداء بالعيش تحت حُكم بكين وإيديولوجيتها المنفتحة.

قد يُكتب لهذه السياسات الصينية النجاح، فيخسر “الإيغور” خصائصهم الثقافية والدينية، أو ربما يقومون بردة فعل عنفية على تلك الممارسات. لكن هذا الإحتمال الأخير يبدو بعيد المنال، خاصة وأن الحكومة الصينية تُحكم قبضتها على إقليم “سنجان” بشكل حديدي، فيما يبدو أن “الإيغور” قد خسروا حليفهم الإقليمي التركي الذي دعمهم لسنوات طويلة، وما عاد مكترثاً كثيراً لهم الآن.

المال قبل الأخوّة

بمرور سريع على الإعلام التركي، يمكن ملاحظة أن الرسمي منه بشكل أساسي، وحتى بعض الخاص، كانوا، إلى حدود شهر آب من العام الماضي، كثيري الإهتمام بأقلية “الإيغور”. كان الإعلام، كما مسؤولو الدولة، يشيرون بشكل دائم إلى عذابات “أخوتهم الإيغور”، ويرعون بعض القيادات منهم في أسطنبول، كما يسهلون معاملات الهاربين منهم للسكن في البلاد أو الحصول على الجنسية. حتى رئيس الدولة، رجب طيب أردوغان، تكلم أكثر من مرة عن أوضاع “الإيغور” من على منابر محلية ودولية[8]، وإن لم يثمر هذا الكلام الكثير من الأثر في غالب الأحيان.

بعد شهر آب تغيّر الأمر في تركيا. ما عاد الإعلام يذكرهم إلا على سبيل “رفع العتب”. ما عادوا أخوة من نفس العرق وجب الإهتمام بهم، بل راح الإعلام يركز أكثر على عذابات السوريين واليمنيين. الأولى، لتبرير الدخول والوجود التركي في سوريا، أما في الثانية فمن أجل إحراج السعودية في حملتها العسكرية في اليمن.

إن أسباب التغيير التركي فيما يتعلق بقضية “الإيغور” مرتبط بعلاقات كل من بكين بأنقرة، وحصول هذه الأخيرة من الصين على قرض من 3.6 مليار دولار لتعزيز قدراتها في قطاع الطاقة والنقل بداية شهر آب[9]. هذا بالإضافة إلى بعض المشاريع الاستثمارية الثنائية الأخرى بين تركيا والصين.

خسر “الإيغور” حليفهم التاريخي والوحيد بسبب التعاون الاقتصادي بين الدولة التي يعيشون فيها والدولة التي ينتظرون دعمها. تقدم المال والمصلحة الخاصة على الأخوة التاريخية مع “الإيغور”. باتوا تحت الضغط الصيني القاسي، ودون رعاية من دولة أجنبية، ومجبرون على زيارة مخيمات التلقين وتعلم أساليب الطاعة والولاء للحكم وإيديولوجيته. باتوا أمام خيارين أحسنهما مرّ؛ إما الخضوع السياسي وتقديم فروض الطاعة للدولة، وإما المعاندة والرضوخ لإحداث تغيير جذري في ثقافتهم وإيمانهم قد يستمر لأجيال لاحقة.

هي حكاية كل الأقليات تقريباً. ما أن يغيب الراعي الإقليمي حتى تتبخر الأمال بالاستقلال الذاتي أو الحقوق الخاصة. يستمر السكون زمن، ثم يعود رأس الأقلية في الإرتفاع من جديد عند حدوث تغير إقليمي جديد ومؤثر عليهم.

[1] Montefiore, C. (2013), How China Distorts its Minorities Through Propaganda, BBC, Retrieved from: http://www.bbc.com/culture/story/20131215-how-china-portrays-its-minorities

[2] Warikoo, K. (1992), China and Central Asia: A Review of Ching Policy in Xinjiang, 1775-1884, New Delhi: Ethnicity and Politics in Central Asia, p. 7.

[3] Walcott M. S. & Johnson C. (2014), Eurasian Corridors of Interconnection: From the South China to the Caspian Sea, New York: Routledge, p. 64.

[4] Bovingdon, G. (2010), The Uyghurs: Strangers in Their Own Land, New York: Columbia University Press, p. 68.

[5] Siddiqui, U. (2015), The ethnic roots of China’s Uighur crisis, Retrieved from http://america.aljazeera.com/opinions/2015/7/the-ethnic-roots-of-chinas-uighur-crisis.html

[6] Amnesty International (2018), UN Human Rights Council must demand answers from China over Xinjiang mass internment camps, Retrieved from: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2018/11/un-human-rights-council-demand-answers-china-xinjiang-mass-internment-camps/

[7] Cogan, K. (2019), Turkey abandons Uighurs in favor of Chinese investment, Al-Monitor, Retrieved from: https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2019/01/turkey-renounces-historic-defense-of-uighurs.html

[8] Hurriyet (2015), Cumhurbaşkanı Erdoğan’ndan Çin’e ‘Uygur’ mesajı, Retrieved from: http://www.hurriyet.com.tr/dunya/cumhurbaskani-erdoganndan-cine-uygur-mesaji-29678534

[9] TRT World (2018), Chinese bank to loan $3.6 billion to Turkey, Retrieved from: https://www.trtworld.com/turkey/chinese-bank-to-loan-3-6-billion-to-turkey-19186

Joe Hammoura
Joe Hammoura
Joe Hammoura is a specialist in Middle Eastern and Turkish affairs and is currently pursuing his Ph.D. in International Relations at Kocaeli University in Turkey. He holds a Masters in International Relations with Honors from the Holy Spirit University of Kaslik – Lebanon (2015), and a BA in Political and Administrative Sciences from the Lebanese University (2008). His work focuses on the internal Turkish policies, foreign affairs and its direct and indirect implications on the Middle East. He is a fellow researcher in Turkish Affairs in the Middle East Institute for Research and Strategic Studies (MEIRSS) based in Lebanon. Additionally he writes in different magazines, newspapers and websites about Middle Eastern affairs.